فصل: الإشارة الأولى في صدر الإسلام

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم **


 الباب الثاني في منشأ العلوم والكتب

وفيه‏:‏ فصول

 الفصل الأول في سببه

وفيه‏:‏ إفهامات

 الإفهام الأول في أن العلم والتعليم

طبيعي في العمران البشري، والبشر محتاج إليهوذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته، من الحس والحركة والغذاء وغير ذلك من اللوازم، وإنما يمتاز عنها بالفكر، وإدراكه الكليات التي يهتدي بها لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى، والعمل واتباع صلاح أخراه، فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين، بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر‏.‏

وعن هذا الفكر تنشأ العلوم والصنائع، ثم لأجل هذا الفكر وما جبل عليه الإنسان، بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع، فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات، فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه ‏(‏1/ 155‏)‏ لمن تلقاه، فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه، ويرجع إلى ما استفاد عنه إما من الأفواه أو من الدوال عليه‏.‏ فهذا ميل طبيعي من البشر إلى الأخذ والاستفادة، فمنهم من ساعده فهمه، ومنهم من لم يساعده مع ميله إليه‏.‏

وأما عدم الميل فلأمر عارضي، كفساد المزاج، وبعد المكان عن الاعتدال ولا اعتداد به‏.‏ ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق، وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له، بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا، وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل، ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته، ويجيء التعليم من هذا‏.‏ فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر‏.‏

 الإفهام الثاني في أن العلم والكتابة من لوازم التمدن

اعلم أن نوع الإنسان لما كان مدنيا بالطبع، وكان محتاجا إلى إعلام ما في ضميره إلى غيره، وفهم ما في ضمير الغير، اقتضت الحكمة الإلهية إحداث دوال يخف عليه إيرادها، ولا يحتاج إلى غير الآلات الطبعية، فقاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت، وتقطيع النفس الضروري بالآلة الذاتية إلى حروف يمتاز بعضها عن بعض، باعتبار مخارجها وصفاتها، حتى يحصل منها بالتركيب كلمات دالة على المعاني الحاصلة في الضمير فيتيسر لهم فائدة التخاطب، والمحاورات والمقاصد التي لا بد منها في معاشهم‏.‏

ثم إن تركيبات تلك الحروف لما أمكنت على وجوه مختلفة، وأنحاء متنوعة، حصل لهم ألسنة مختلفة، ولغات متبائنة وعلوم متنوعة‏.‏

ثم إن أرباب الهمم من بني الأمم لما لم يكتفوا بالمحاورة في إشاعة ‏(‏1/ 156‏)‏ هذه النعم، لاختصاصها بالحاضرين، سمت همتهم السامية إلى إطلاع الغائبين ومن بعدهم على ما استنبطوا من المعارف والعلوم، وأتعبوا أنفسهم في تحصيلها لينتفع بها أهل الأقطار، ولتزداد العلوم بتلاحق الأفكار، ووضعوا قواعد الكتابة الثابتة نقوشها على وجه كل زمان، وبحثوا عن أحولها، من الحركات، والسكنات، والضوابط، والنقاط، وعن تركيبها، وتسطيرها، لينتقل منها الناظرون إلى الألفاظ والحروف، ومنها إلى المعاني، فنشأ من ذلك الوضع جملة العلوم والكتب‏.‏

 الإفهام الثالث في أن الخط والكتابة

من عداد الصنائع الإنسانية وهو رسوم وأشكال حرفية، تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس، فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية، وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص الإنسان التي تميز بها عن الحيوان‏.‏

وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض إلى البلد البعيد، فتقضى الحاجات، وقد دفعت مؤنة المباشرة لها، ويطلع بها على العلوم والمعارف، وصحف الأولين، وما كتبوه من علومهم وأخبارهم، فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع، وخروجها في الإنسان من القوة إلى الفعل، إنما يكون بالتعليم، وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات، والطلب لذلك، تكون جودة الخط في المدينة، إذ هو من جملة الصنائع، وإنها تابعة للعمران، ولهذا نجد أكثر البدو أميين لا يكتبون ولا يقرؤون، ومن قرأ منهم أو كتب فيكون خطه قاصرا، وقراءته غير نافذه، ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحد، أبلغ وأحسن وأسهل طريقا لاستحكام الصنعة فيها‏.‏

كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد، ‏(‏1/ 157‏)‏ وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط، يلقون على المتعلم قوانين، وأحكاما في وضع كل حرف، ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه، فتعتضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم، وتأتي ملكته على أتم الوجوه، وإنما أتى هذا من كمال الصنائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح الأعمال‏.‏

وقد كان الخط العربي بالغا مبالغة من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبايعة، لما بلغت من الحضارة والترف، وهو المسمى بالخط الحميري، وانتقل منها إلى الحيرة، لما كان بها من دولة آل المنذر، نسباء التبابعة في العصبية، والمجددين لملك العرب بأرض العراق، ولم يكن الخط عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة، لقصور ما بين الدولتين، وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك، ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر، يقال‏:‏ إن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أمية، ويقال‏:‏ حرب بن أمية، وأخذها من أسلم بن سدرة، وهو قول ممكن وأقرب ممن ذهب إلى أنهم تعلموها من إياد أهل العراق لقول شاعرهم‏:‏

قوم لهم ساحة العراق إذا ** ساروا جميعا والخط والقلم‏.‏

وهو قول بعيد، لأن إيادا وإن نزلوا ساحة العراق، فلم يزالوا على شأنهم من البداوة والخط من الصنائع الحضرية، وإنما معنى قول الشاعر أنهم أقرب إلى الخط والقلم من غيرهم من العرب، لقربهم من ساحة الأمصار وضواحيها، فالقول بأن أهل الحجاز إنما لقنوها من الحيرة، ولقنها أهل الحيرة من التبابعة وحمير، هو الأليق من الأقوال‏.‏

وكان لحمير كتابة تسمى المسند، حروفها منفصلة، وكانوا يمنعون من تعلمها إلا ‏(‏1/ 158‏)‏ بإذنهم، ومن حمير تعلمت مضر الكتابة العربية، إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لها، شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو، فلا تكون محكمة المذاهب، ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق لبون ما بين البدو والصناعة، واستغناء البدو عنها في الأكثر‏.‏

وكانت كتابة العرب بدوية، مثل كتابتهم، أو قريبا من كتابتهم لهذا العهد، أو نقول‏:‏إن كتابتهم لهذا العهد أحسن صناعة، لأن هؤلاء أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول‏.‏

وأما مضر فكانوا أعرق في البدو، أبعد عن الحضر من أهل اليمن، وأهل العراق، وأهل الشام ومصر، فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام، والإتقان، والإجادة، ولا إلى التوسط لمكان العرب، من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها‏.‏

ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها، تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا، وأين نسبة ذلك من الصحابة فيا كتبوه، فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه، ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط‏.‏

وإن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه، ويقولون في مثل زيادة الألف في ‏(‏لا أذبحنه‏)‏ إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في ‏(‏بأييد‏)‏ إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض، وما حملهم ‏(‏1/ 159‏)‏ على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وذلك ليس بصحيح‏.‏

واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، كما رأيته فيما مر، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه، لأجل دلالته على ما في النفوس، وقد كان -صلى الله عليه وسلم -أميا وكان ذلك كمالا في حقه، وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها، وليست الأمية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا، شأن الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية، فإن الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا‏.‏

ثم لما جاء الملك للعرب، وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك، ونزلوا البصرة والكوفة، واحتاجت الدولة إلى الكتابة، استعملوا الخط، وطلبوا صناعته وتعلمه، وتداولوه، فترقت الإجادة فيه، واستحكم وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الإتقان، إلا أنها كانت دون الغاية، والخط الكوفي معروف الرسم لهذا العهد‏.‏

ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك، وافتتحوا إفريقية والأندلس، واختط بنو العباس بغداد، وترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استبحرت في العمران، وكانت دار الإسلام، ومركز الدولة العربية، وكان الخط البغدادي معروف ‏(‏1/ 160‏)‏ الرسم، وتبعه الإفريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهد، ويقرب من أوضاع الخط المشرقي وتحيز ملك الأندلس بالأمويين، فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط، فتميز صنف خطهم الأندلسي، كما هو معروف الرسم لهذا العهد‏.‏

وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر، وعظم الملك، ونفقت أسواق العلوم، وانتسخت الكتب، وأجيد كتبها وتجليدها، وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له، وتنافس أهل الأقطار في ذلك، وتناغوا فيه‏.‏

ثم لما انحل نظام الدولة الإسلامية، وتناقصت تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة، فانتقل شأنها من الخط والكتابة، بل والعلم إلى مصر والقاهرة، فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد، وله بها معلمون يرسمون لتعليم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم، فلا يلبث المتعلم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع، ولقد لقنها حسا وحذق فيها دربه وكتابا، وأخذها قوانين علمية فتجيء أحسن ما يكون‏.‏

وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها، ومن خلفهم من البربر، وتغلبت عليهم أمم النصرانية، فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية من لدن الدول اللمتونية إلى هذا العهد، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع، وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الإفريقي، وعفى عليه ونسي خط القيروان والمهدية، بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها، لتوفر أهل الأندلس بها عند الجالية من شرق ‏(‏1/ 161‏)‏ الأندلس، وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس، ولا تمرسوا بجوارهم، إنما كان يفدون على دار الملك بتونس، فصار خط أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس، حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشيء وتراجع أمر الحضارة والترف، بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط، وفسدت رسومه، وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة، وتناقص العمران، وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك، لما قيل من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها‏.‏

وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي، لقرب جوارهم، وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا، واستعمالهم إياهم سائر الدولة، ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره، كأنه لم يعرف، فصارت الخطوط بإفريقية والمغربين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة، وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل، لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة، لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة، حتى لا تكاد تقرأ إلا بعد عسر، ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع، بنقص الحضارة وفساد الدول، والله أعلم‏.‏

قف‏:‏ إن الصنائع تكسب صاحبها عقلا، وخصوصا الكتابة والحساب، وذلك أن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة، وأن خروجها من القوة إلى الفعل، إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية، إلى أن يصير إدراكا بالفعل، وعقلا محضا، فتكون ذاتا روحانية، وتستكمل حينئذ وجودها‏.‏ فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم، والنظر يفيدها عقلا فريدا والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي، مستفاد من تلك الملكة‏.‏

فلهذا كانت الحنكة ‏(‏1/ 162‏)‏ في التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا، والحضارة الكاملة تفيد عقلا، لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل، ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم، ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها‏.‏

وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل، والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك، لأنها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف سائر الصنائع‏.‏ وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس، ويكون ذلك دائما فيحل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة، فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة فطنة وكيس في الأمور، لما تعودوه من ذلك الانتقال‏.‏

ولذلك قال كسرى في كتابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس ‏(‏ديوانه‏)‏ أي شياطين وجنون‏.‏ قالوا‏:‏ وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل الكتابة‏.‏ ويلحق بذلك الحساب، فإن في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم والتفريق، يحتاج فيه إلى استدلال كثير، فيبقى متعودا للاستدلال والنظر، وهو معنى العقل‏.‏ والله أعلم بالصواب‏.‏

 الإفهام الرابع في أوائل ما ظهر من العلم والكتاب

اعلم أنه يقال‏:‏ إن آدم عليه الصلاة والسلام كان عالما بجميع اللغات، لقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وعلم آدم الأسماء كلها‏}‏ قال الإمام الرازي‏:‏ المراد أسماء كل ما خلق الله سبحانه وتعالى، من أجناس المخلوقات، بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده اليوم، وعلم أيضا معانيها، وأنزل عليه ‏(‏1/ 163‏)‏ كتابا، وهو كما ورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا رسول الله أي كتاب أنزل على آدم‏؟‏ قال‏:‏ كتاب المعجم، قلت‏:‏ أي كتاب المعجم‏؟‏ قال‏:‏ أ‏.‏ ب‏.‏ ت‏.‏ ث‏.‏ ج، قلت‏:‏ يا رسول الله، كم حرفا‏؟‏ قال تسعة وعشرون حرفا‏.‏‏)‏‏)‏الحديث‏.‏

وذكروا أنه عشر صحف فيها سور مقطعة الحروف، وفيها الفرائض، والوعد والوعيد، وأخبار الدنيا والآخرة، وقد بين أهل كل زمان، وصورهم وسيرهم مع أنبيائهم وملوكهم، وما يحدث في الأرض من الفتن والملاحم‏.‏

ولا يخفى أنه مستبعد عند أصحاب العقول القاصرة، وأما من أمعن النظر في ‏(‏الجفر‏)‏ ولا حظ شموله على غرائب الأمور، فعنده ليس ببعيد سيما في الكتب المنزلة‏.‏ هكذا قيل ولكن في صحة كتاب ‏(‏الجفر‏)‏ كلام كما بيناه في ‏(‏لقطة العجلان‏)‏‏.‏

وروي أن آدم عليه السلام، وضع كتابا في أنواع الألسن والأقلام قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في الطين ثم طبخه، فلما أصاب الأرض الغرق، وجد كل قوم كتابا فكتبوه من خطه، فأصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي، وكان ذلك من معجزات آدم عليه السلام‏.‏ ذكره السيوطي في ‏(‏المزهر‏)‏ وهذا أبعد مما قبله‏.‏

وفي رواية أن آدم عليه السلام كان يرسم الخطوط بالبنان، وكان أولاده تتلقاها بوصيته منه، وبعضهم بالقوة القدسية القابلة، وكان أقرب عهد إليه إدريس عليه ‏(‏1/ 164‏)‏ السلام، فكتب بالقلم واشتهر عنه من العلوم ما لم يشتهر عن غيره، ولقب بهرمس الهرامسة والمثلث بالنعمة لأنه كان نبيا ملكا حكيما‏.‏

وجميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عنه، في قول كثير من العلماء، وهو هرمس الأول، أعني إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن شيث ابن آدم عليه السلام المتمكن بصعيد مصر الأعلى‏.‏

وقالوا‏:‏ إنه أول من تكلم في الأجرام العلوية، والحركات النجومية، وأول من بنى الهياكل، وعبد الله تعالى فيها، وأول من نظر في الطب، وألف لأهل زمانه قصائد في البسائط والمركبات، وأنذر بالطوفان، ورأى أنه آفة سماوية تلحق الأرض، فخاف ذهاب العلم، فبنى الأهرام التي في صعيد مصر الأعلى، وصور فيها جميع الصناعات والآلات، ورسم صفات العلوم والكمالات، حرصا على تخليدها ثم كان الطوفان، وانقرض الناس فلم يبق علم ولا أثر سوى من في السفينة من البشر، وذلك مذهب جميع الناس إلا المجوس، فإنهم لا يقولون بعموم الطوفان‏.‏

ثم أخذ يتدرج الاستئناف والإعادة، فعاد ما اندرس من العلم إلى ما كان عليه مع الفضل والزيادة، فأصبح مؤسس البينان مشيد الأركان لا زال مؤيدا بالملة الإسلامية إلى يوم الحشر والميزان‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ ‏(‏1/ 165‏)‏

 الفصل الثاني في منشأ إنزال الكتب واختلاف الناس وانقسامهم

وفيه‏:‏ إفصاحات

 الإفصاح الأول في حكمة إنزال الكتب

اعلم أن الإنسان لما كان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من نوعه، في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون، حتى يحفظ بالتمانع ما هو له، ويحصل بالتعاون ما ليس له من الأمور الدنيوية والأخروية‏.‏

وكان في كثير منها مالا طريق للعقل إليه، وإن كان فيه فبأنظار دقيقة، لا تتيسر إلا لواحد بعد واحد، اقتضت الحكمة الإلهية إرسال الرسل، وإنزال الكتب للتبشير والإنذار، وإرشاد الناس إلى ما يحتاجون إليه، من أمور الدين والدنيا‏.‏

فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يصل به إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشريعة، فالشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام، والحدود الأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس، عليهم السلام، وختمت بأتمها وأكلمها‏.‏

فمن الناس من آمن بهم واهتدى، ومنهم من اختار الضلالة على الهدى، فظهر اختلاف الآراء والمذاهب من الكفار والفرق الإسلامية، ‏{‏كل حزب بما لديهم فرحون‏}‏ ‏(‏1/ 166‏)‏

 الإفصاح الثاني في أقسام الناس بحسب المذاهب والديانات

اعلم أن التقسيم الضابط أن يقال‏:‏ إن من الناس من لا يقول بمحسوس، ولا بمعقول، وهم السوفسطائية، فإنهم أنكروا حقائق الأشياء‏.‏

ومنهم من يقول بالمحسوس، ولا يقول بالمعقول، وهم الطبيعية، كل منهم معطل لا يرد عليه فكره براد، ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد، ولا يرشده ذهنه إلى معاد، قد ألف المحسوس، وركن إليه، وظن أن لا عالم وراء العالم المحسوس، ويقال لهم الدهريون أيضا، فإنهم يثبتون معقولا‏.‏

ومنهم من يقول بالمحسوس، والمعقول، ولا يقول بحدود ولا أحكام، وهم الفلاسفة، فكل منهم قد رقى عن المحسوس، وأثبت المعقول، لكنه لا يقول بحدود وأحكام وشريعة وإسلام، ويظن أنه إذا حصل له المعقول، وأثبت للعالم مبدأ ومعادا، وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه، فيكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه، وشقاوته بقدر جهله وسفاهته، وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة‏.‏ وهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية، وطبيعية، وإلهية، لا الذين أخذوا علومهم عن مشكاة النبوة‏.‏

ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول، والحدود الأحكام، ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة، فهم قوم يقرب من الفلاسفة، ويقولون بحدود وأحكام عقلية، ربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي‏.‏

إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم، وما تعدوا إلى الآخر، وهؤلاء هم الصابئة الأولى، الذين قالوا بغازيمون، وهرمس، وهما شيث وإدريس عليهما السلام، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء‏.‏ ‏(‏1/ 167‏)‏‏.‏

ومنهم من يقول هذه كلها شريعة ما وإسلام، ولا يقول بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم - وهم المجوس والنصارى واليهود‏.‏

ومنهم من يقول بهذه كلها، وهم المسلمون، وكانوا عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على عقيدة واحدة، إلا من كان يبطن النفاق‏.‏

ثم نشأ الخلاف فيما بينهم، أولا في أمور اجتهادية، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين، كاختلافهم في التخلف عن جيش أسامة، وفي موته - صلى الله عليه وسلم - وفي موضع دفنه، وفي الإمامة، وفي ثبوت الإرث عنه، - صلى الله عليه وسلم - وفي قتال مانعي الزكاة، وفي خلافة علي ومعاوية، وكاختلافهم في بعض الأحكام الفرعية، ثم يتدرج ويترقى إلى آخر أيام الصحابة - رضي الله عنهم -‏.‏

فظهر قوم خالفوا في القدر، ولم يزل الخلاف يتشعب حتى تفرق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من معجزاته، ولكن كبار الفرق الإسلامية ثمان، وهم المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والنجارية، والجبرية، والمشبهة، والناجية، ويقال لهم أهل السنة والجماعة، هذا ما ذكروه في كتب الفرق‏.‏

 الإفصاح الثالث في أقسام الناس بحسب العلوم

اعلم أنهم باعتبار العلم والصناعة قسمان‏:‏ قسم اعتنى بالعلم، فظهرت منهم ضروب المعارف، فهم صفوة الله من خلقه، وفرقة لم تعتن بالعلم عناية يستحق بها اسمه‏.‏

فالأولى‏:‏ أمم منهم أهل مصر، والروم، والهند، والفرس، والكلدانيون، واليونانيون، والعرب، والعبرانيون‏.‏

والثانية‏:‏ بقية الأمم، لكن الأنبه منهم الصين، والترك‏.‏ وفي ‏(‏الملل والنحل‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏إن كبار الأمم أربعة‏:‏ العرب، والعجم، والروم، والهند، ثم إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية‏.‏ والعجم والروم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء، والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية‏.‏‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

وفي بيان هذه الأمم‏:‏ تلويحات

التلويح الأول‏:‏ في أهل الهند

اعلم أن لون الهندي وإن كان في أول مراتب السودان فصار بذلك من جبلتهم، إلا أنه سبحانه وتعالى جنبهم سوء أخلاق السودان، ودناءة شيمهم، وسفاهة أحلامهم، وفضلهم على كثير من السمر والبيض، وعلل ذلك بعض أهل التنجيم بأن زحل وعطارد يتوليان بالقسمة لطبيعة الهند، فلولاية زحل اسودت ألوانهم، ولولاية عطارد خلصت عقولهم، ولطفت أذهانهم، فهم أهل الآراء الفاضلة، والأحلام الراجحة، لهم التحقق بعلم العدد، والهندسة، والطب، والنجوم، والعلم الطبيعي والإلهي‏.‏

فمنهم براهمة‏:‏ وهي فرقة قليلة العدد، ومذهبهم إبطال النبوات، وتحريم ذبح الحيوان‏.‏ ومنهم صابئة وهم جمهور الهند، ولهم في تعظيم الكواكب وأدوارها آراء ومذاهب، والمشهور في كتبهم مذهب السندهند؛ أي دهر الدهر، ومذهب الأرجهيز، ومذهب الأركند ولهم في الحساب والأخلاق والموسيقى تأليفات ‏(‏1/ 169‏)‏

التلويح الثاني‏:‏ في الفرس

وهم أعدل الأمم، وأوسطهم دارا، وكانوا في أول أمرهم موحدين على دين نوح - عليه السلام - إلى أن تمذهب طهمورث، بمذهب الصابئين، وقسر الفرس على المتشرع به، فاعتقدوه نحو ألف سنة، إلى أن تمسجوا جميعا بسبب زرادشت، ولم يزالوا على دينه قريبا من ألف سنة، إلى أن انقرضوا؛ ولخواصهم عناية بالطب، وأحكام النجوم، ولهم أرصاد ومذاهب في حركاتها، واتفقوا على أن أصح المذاهب في الأدوار، مذهب الفرس، ويسمى سني أهل فارس، وذلك أن مدة العالم عندهم جزء من اثني عشر ألفا من مدة السند هند؛وهي أن السيارات وأوجاتها، وجوز هراتها، تجتمع كلها في رأس الحمل، في كل ستة وثلاثين ألف سنة شمسية مرة واحدة، ولهم في ذلك كتب جليلة، وفي كتاب ‏(‏الفهرس‏)‏ يقال‏:‏ إن أول من تكلم بالفارسية كيومرث، وتسميه الفرس ‏(‏كل شاه‏)‏، أي ملك الطين، وهو عندهم آدم أبو البشر - عليه السلام -‏.‏

وأول من كتب بالفارسية بيوراسب المعروف بالضحاك، وقيل أفريدون، وقال ابن عبدوس في كتاب ‏(‏الوزراء‏)‏‏:‏ ‏(‏كانت الكتب والرسائل قبل ملك كشتاسب قليلة، ولم يكن لهم اقتدار على بسط الكلام، وإخراج المعاني، من النفوس، ولما ظهر ملك زرادشت، صاحب شريعة المجوس، وأظهر كتابه العجيب بجميع اللغات، وأخذ الناس بتعلم الخط، والكتاب، فزادوا ومهروا‏)‏ وقال ابن المقفع‏:‏ لغات الفارسية‏:‏ الفهلوية، والدرية، والفارسية، والخوزية، والسريانية‏.‏ ‏(‏1/ 170‏)‏

أما الفهلوية‏:‏ فمنسوبة إلى فهلة، اسم يقع على خمسة بلدان وهي‏:‏ أصفهان، والري، وهمذان، ونهاوند، وأذربيجان‏.‏

وأما الدرية‏:‏ فلغة المدائن، وبها كان يتكلم من بباب الملك، وهي منسوبة إلى الباب، لأن الباب بالفارسية در، والغالب عليها من لغة أهل خراسان، والمشرق لغة أهل بلخ‏.‏

فأما الفارسية‏:‏ فيتكلم بها الموابذة، والعلماء، وهي لغة أهل فارس‏.‏

وأما الخوزية‏:‏ فبها كان يتكلم الملوك، والأشراف في الخلوة مع حاشيتهم‏.‏

وأما السريانية‏:‏ فكان يتكلم بها أهل السواد، والمكاتبة، في نوع من اللغة، بالسرياني فارسي‏.‏

وللفرس ستة أنواع من الخطوط، وحروفهم مركبة من‏:‏ ‏(‏أبجد هوزي كلمن سف رش ثخذغ‏)‏ فالتاء المثناة، والحاء المهملة، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والعين، والقاف، سواقط‏.‏

التلويح الثالث‏:‏ في الكلدانيين

وهم أمة قديمة، مسكنهم أرض العراق، وجزيرة العرب، منهم النماردة، ملوك الأرض بعد الطوفان، وبخت نصر منهم، ولسانهم سرياني؛ولم يبرحوا إلى أن ظهر عليهم الفرس، وغلبوا مملكتهم، وكان منهم علماء، وحكماء، متوسعون في الفنون، ولهم عناية بأرصاد الكواكب، وإثبات الأحكام والخواص‏.‏

ولهم هياكل، وطرائق لاستجلاب ‏(‏1/ 171‏)‏ قوى الكواكب، وإظهار طبائعها، بأنواع القاربين، فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة، من إنشاء الطلسمات، وغيرها؛ ولهم مذاهب نقل، منها بطليموس في ‏(‏المجسطي‏)‏‏.‏

ومن أشهر علمائهم‏:‏ أبرخس، واطصفن، وفي ‏(‏الفهرس‏)‏ أن النبطي، أفصح من السرياني، وبه كان يتكلم أهل بابل، وأما النبطي الذي يتكلم به أهل القرى، فهو سرياني، غير فصيح، وقيل‏:‏ اللسان الذي يستعمل في الكتب الفصيحة بلسان أهل سوريا، وحران‏.‏

وللسريانيين، ثلاثة أقلام، أقدم الأقلام، ولا فرق بينه وبين العربي في الهجاء، إلا أن الثاء المثلثة والخاء، والذال، والضاد، والظاء، والغين، كلها معجمات سواقط، وكذا اللام ألف؛ وتركيب حروفها، من اليمين إلى اليسار‏.‏

التلويح الرابع‏:‏ في أهل يونان

هم أمة عظيمة القدر، بلادهم بلاد روم إيلي، وأناطولي، وقرامان؛ وكانت عامتهم صابئة، عبدة الأصنام، وكان الإسكندر منهم، الذي أجمع ملوك الأرض على الطاعة لسلطانة، وبعده البطالسة، إلى أن غلب عليهم الروم؛ وكان علماؤهم يسمون فلاسفة إلهيين، أعظمهم خمسة‏:‏ بندقليس، كان في عصر داود - عليه السلام - ثم فيثاغورس، ثم سقراط، ثم أفلاطون، ثم أرساطاطاليس‏.‏ ‏(‏1/ 172‏)‏

ولهم تصانيف في أنواع الفنون، وهم من أرفع الناس طبقة، وأجل أهل العلم منزلة، لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة، من العلوم الرياضية، والمنطقية، والمعارف الطبيعية، والإلهية، والسياسات المنزلية، والمدنية، وجميع العلوم العقلية، مأخذوة عنهم، ولغة قدمائهم تسمى الإغريقية، وهي من أوسع اللغات‏.‏

ولغة المتأخرين، تسمى اللطيني، لأنهم فرقتان‏:‏ الإغريقيون، واللطينيون، وكان ظهور أمة اليونان في حدود سنة ثمان وستين وخمسمائة من وفاة موسى - عليه السلام - وقبل ظهروا الإسكندر بخمس وأربعين وثمانمائة سنة

التلويح الخامس‏:‏ في الروم

وهم أيضا صابئة، إلى أن قام قسطنيطين بدين المسيح، وقسرهم على التشرع به فأطاعوه، ولم يزل دين النصرانية يقوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المجاورة للروم، وجميع أهل مصر، وكان لهم حكماء علماء، بأنواع الفلسفة، وكثير من الناس يقول‏:‏ إن الفلاسفة المشهورين روميون، والصحيح أنهم يونانيون، ولتجاور الأمتين، دخل بعضهم في بعض، واختلط خبرهم، وكلا الأمتين مشهور العناية بالفلسفة، إلا أن لليونان من المزية والتفضيل، مالا ينكر، وقاعدة مملكتهم رومية الكبرى‏.‏ ولغتهم مخالفة للغة اليونان‏.‏

وقيل لغة اليونان الإغريقية، ولغة الروم اللطينية، وقلم اليونان والروم من اليسار إلى اليمين، مرتب على ترتيب أبجد، وحروفهم‏:‏ ‏(‏ايج وزطي كلمن شعفص قرشت ثخ ظغ‏)‏ فالدال، والهاء، والحاء، والذال، والضاد، ‏(‏1/ 173‏)‏ ولام ألف، سواقط؛ ولهم قلم يعرف بالساميا، ولا نظير له عندنا، فإن الحرف الواحد منه يحيط بالمعاني الكثيرة، ويجمع عدة كلمات‏.‏

قال جالينوس في بعض كتبه‏:‏ ‏(‏كنت في مجلس عام، فتكلمت في التشريح كلاما عاما، فلما كان بعد أيام، لقيني صديق لي، فقال‏:‏ إن فلانا يحفظ عليك في مجلسك أنك تكلمت بكلمة كذا، وأعاد علي ألفاظي؛ فقلت من أين لك هذا‏؟‏ فقال‏:‏ إني لقيت بكاتب ما هر بالساميا، فكان يسبقك بالكتابة في كلامك، وهذا العلم يتعلمه الملوك، وجلة الكتاب، ويمنع منه سائر الناس لجلالته‏.‏‏)‏ كذا قال النديم في ‏(‏الفهرس‏)‏‏.‏

وذكر أيضا‏:‏ ‏(‏أن رجلا متطببا، جاء إليه من بعلبك، سنة ثمان وأربعين، وزعم أنه يكتب بالساميا، قال‏:‏ فجربنا عليه، فأصبناه، إذا تكلمنا بعشر كلمات أصغى إليها، ثم كتب كلمة فاستعدناها، فأعادها بألفاظنا‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏

قف‏:‏ ذكر في السبب الذي من أجله يكتب الروم من اليسار إلى اليمين، بلا تركيب، أنهم يعتقدون أن سبيل الجالس، أن يستقبل المشرق في كل حالاته، فإنه إذا توجه إلى المشرق يكون الشمال عن يساره، فإذا كان كذلك، فاليسار يعطي اليمين، فسبيل الكاتب أن يبتدئ من الشمال إلى الجنوب؛ وعلل بعضهم بكون الاستمداد عن حركة الكبد على القلب‏.‏

التلويح السادس‏:‏ في أهل مصر

وهم أخلاط من الأمم، إلا أن جمهرتهم قبط، وإنما اختلطوا لكثرة ‏(‏1/ 174‏)‏ من تداول ملك مصر من الأمم، كالعمالقة، واليونانيين، والروم، فخفي أنسابهم، فانتسبوا إلى موضعهم، وكانوا في السلف صابئة ثم تنصروا إلى الفتح الإسلامي‏.‏

وكان لقدمائهم عناية بأنواع العلوم، ومنهم هرمس الهرامسة، قبل الطوفان، وكان بعده علماء بضروب الفلسفة، خاصة بعلم الطلسمات، والنيرنجات، والمرايا المحرقة، والكيمياء‏.‏

وكانت دار العلم بها مدينة منف، فلما بنى الإسكندر مدينة، رغب الناس في عمارتها، فكانت دار العلم، والحكمة، إلى الفتح الإسلامي‏.‏ فمنهم الإسكندرانيون، الذين اختصروا كتب جالينوس؛ وقيل‏:‏ إن القبط اكتسب العلم الرياضي من الكلدانيين‏.‏

التلويح السابع‏:‏ في العبرانيين

وهم بنو إسرائيل، وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع، وسير الأنبياء، فكان أحبارهم، أعلم الناس بأخبار الأنبياء، وبدء الخليقة، وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام، لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة‏.‏

ولغتهم تنسب إلى عابر بن شالخ، والقلم العبراني اليمين إلى اليسار، وهو من ‏(‏أ بجد‏)‏ إلى آخر ‏(‏قرشت‏)‏ وما بعده سواقط، وهو مشتق من السرياني‏.‏

التلويح الثامن‏:‏ في العرب

وهم فرقتان‏:‏ بائدة، وباقية، والبائدة‏:‏ كانت أمما، كعاد، وثمود؛ ‏(‏1/ 175‏)‏ انقرضوا، وانقطع عنا أخبارهم‏.‏

والباقية‏:‏ متفرعة من قحطان وعدنان، ولهم حال الجاهلية، وحال الإسلام‏.‏

فالأولى‏:‏ منهم التبابعة، والجبابرة، ولهم مذهب في أحكام النجوم، لكن لم يكن لهم عناية بأرصاد الكواكب، ولا بحث عن شيء من الفلسفة‏.‏

وأما سائر العرب، بعد الملوك، فكانوا أهل مدر ووبر، فلم يكن فيهم عالم مذكور، ولا حكيم معروف، وكانت أديانهم مختلفة، وكان منهم من يعبد الشمس والكواكب، ومنهم من تهود، ومنهم من يعبد الأصنام، حتى جاء الإسلام‏.‏

ولسانهم أفصح الألسن، وعلمهم الذي كانوا يفتخرون به علم لسانهم، ونظم الأشعار، وتأليف الخطب، وعلم الأخبار، ومعرفة السير، والأعصار‏.‏

قال الهمداني‏:‏ ‏(‏ليس يوصل إلى أحد خبر من أخبار العرب، والعجم، إلا بالعرب، وذلك أن من سكن بمكة، أحاطوا بعلم العرب العاربة، وأخبار أهل الكتاب؛ وكانوا يدخلون البلاد للتجارات، فيعرفون أخبار الناس، وكذلك من سكن الحيرة، وجاور الأعاجم، علم أخبارهم، وأيام حمير، ومسيرها في البلاد، وكذلك من سكن الشام، خبر بأخبار الروم، وبني إسرائيل، واليونان، ومن وقع في ا لبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند، والهند، وفارس؛ ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا، لأنه كان في ظل الملوك السيارة‏.‏

والعرب أصحاب حفظ، ورواية، ولهم معرفة بأوقات المطالع، والمغارب، وأنواء الكواكب، وأمطارها، لاحتياجهم إليه في المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق، والتدرب في العلوم‏.‏ وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله سبحانه وتعالى شيئا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به، إلا نادرا‏.‏‏)‏ وقد ذكرنا في ‏(‏لقطة العجلان‏)‏ أحوال الأمم الماضية على سبيل الإيجاز، فإن شئت فارجع إليه‏.‏ ‏(‏1/ 176‏)‏

 الفصل الثالث في أهل الإسلام وعلومهم

وفيه‏:‏ إشارات

 الإشارة الأولى في صدر الإسلام

اعلم أن العرب في آخر عصر الجاهلية، حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تفرق ملكها، وتشتت أمرها، فضم الله سبحانه وتعالى به شاردها، وجمع عليه جماعة من قحطان، وعدنان، فآمنوا به، ورفضوا جميع ما كانوا عليه، والتزموا شريعة الإسلام، من الاعتقاد، والعمل‏.‏

ثم لم يلبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قليلا حتى توفي، وخلفه أصحابه - رضي الله عنهم - فغلبوا الملوك، وبلغت مملكة الإسلام، في أيام عثمان بن عفان من الجلالة، والسعة، إلى حيث نبه - عليه الصلاة والسلام - في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏زويت لي الأرض، فأريت مشارقها، ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي،ما زوي لي منها‏)‏‏)‏‏.‏ فأباد الله تعالى بدولة الإسلام، دولة الفرس، بالعراق، وخراسان، ودولة الروم، بالشام، ودولة القبط، بمصر‏.‏

فكانت العرب في صدر الإسلام، لا تعتني بشيء من العلوم، إلا بلغتها، ومعرفة أحكام شريعتها، وبصناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم، لحاجة الناس طراً إليها، وذلك منهم صونا لقواعد الإسلام، وعقائده، ‏(‏1/ 177‏)‏ عن تطرق الخلل، من علوم الأوائل، قبل الرسوخ، والإحكام، حتى يروى انهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب، في فتوحات البلاد‏.‏

وقد ورد النهي، عن النظر في التوراة، والإنجيل، لاتحاد الكلمة، واجتماعها على الأخذ، والعمل بكتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستمر ذلك إلى آخر عصر التابعين، ثم حدث اختلاف الآراء، وانتشار المذاهب، فآل الأمر إلى التدوين، والتحصين‏.‏

 الإشارة الثانية في الاحتياج إلى التدوين

اعلم أن الصحابة، والتابعين، لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرب العهد إليه، ولقلة الاختلاف، والواقعات، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات، كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع، والأحكام، حتى إن بعضهم كره كتابة العلم، واستدل بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابة العلم فلم يأذن له‏.‏

وروي عن ابن عباس، أنه نهى عن الكتابة، وقال‏:‏ إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة‏.‏

وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس، فقال‏:‏ إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك، فلما عرض عليه أخذ منه ومحا بالماء، فقيل له‏:‏ لماذا فعلت‏؟‏ قال‏:‏ لأنهم إذا كتبوا، اعتمدوا على الكتابة، وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض، فيفوت علمهم‏.‏

واستدل أيضا، بان الكتاب مما يزاد فيه، وينقص، ويغير، والذي حفظ لا يمكن تغييره، لأن الحافظ يتكلم بالعلم، والذي يخبر عن الكتابة، يخبر بالظن والنظر‏.‏ ‏(‏1/ 178‏)‏

ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن، واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى، والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث، والفقه، وعلوم القرآن، واشتغلوا بالنظر والاستدلال، والاجتهاد، والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب، والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع، والاصطلاحات، وتبيين المذاهب، والاختلافات‏.‏

وكان ذلك مصلحة عظيمة، وفكرة في الصواب مستقيمة، فرأوا ذلك مستحبا، بل واجبا، لقضية الإيجاب المذكور مع قوله - صلى الله عليه وسلم - ‏(‏‏(‏العلم صيد، والكتابة قيد، قيدوا - رحمكم الله تعالى - علومكم بالكتابة‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏ قلت‏:‏ ولعل هذا الحديث لم يصح‏.‏

الإشارة الثالثة‏:‏ في أول من صنف في الإسلام

اعلم أنه اختلف في أول من صنف، فقيل‏:‏ الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري، المتوفى سنة خمس وخمسين ومائة؛ وقيل أبو النضر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومائة، ذكرهما الخطيب البغدادي‏.‏

وقيل ربيع بن صبيح، المتوفى سنة ستين ومائة، قاله أبو محمد الرامهرمزي؛ ثم صنف سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، بالمدينة المنورة؛ وعبد الله بن وهب؛ بمصر، ومعمر، وعبد الرزاق، باليمن؛ وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان، بالكوفة؛ وحماد بن سلمة، وروح بن عبادة، بالبصرة؛ وهشيم بواسط، وعبد الله بن مبارك، بخراسان؛ وكان مطمح نظرهم، ومطرح ‏(‏1/ 179‏)‏ بصرهم بالتدوين، ضبط معاقد القرآن، والحديث ومعانيهما، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما‏.‏

الإشارة الرابعة‏:‏ في اختلاط علوم الأوائل والإسلام

اعلم أن علوم الأوائل كانت مهجورة، في عصر الأموية، ولما ظهر آل العباس، كان أول من عني منهم بالعلوم، الخليفة الثاني، أبو جعفر المنصور، وكان - رحمه الله تعالى - مع براعته في الفقه، مقدما في علم الفلسفة، وخاصة في النجوم، محبا لأهلها‏.‏

ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع، عبد الله المأمون بن الرشيد، تمم ما بدأ به جده، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخراجه من معادنه بقوة نفسه الشريفة، وعلو همته المنيفة، فداخل ملوك الروم، وسألهم وصلة ما لديهم، من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون، وأرسطو، وبقراط، وجالينوس، وإقليدس، وبطليموس، وغيرهم‏.‏

وأحضر لها مهرة المترجمين، فترجموا له على غاية ما أمكن، ثم كلف الناس قراءتها، ورغبهم في تعلمها، إذ المقصود من المنع، هو إحكام قواعد الإسلام، ورسوخ عقائد الأنام، وقد حصل وانقضى، على أن أكثرها مما لا تعلق له بالديانات‏.‏

فنفقت له سوق العلم، وقامت دولة الحكمة في عصره، وكذلك سائر الفنون، فأتقن جماعة من ذوي الفهم في أيامه، كثيرا من الفلسفة، ومهدوا أصول الأدب، وبينوا منهاج الطلب، ثم أخذ الناس يزهدون في العلم، ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن، تارة، وجمع الشمل أخرى، إلى أن كاد يرتفع جملة‏.‏

وكذا شأن سائر الصنائع والدول، ‏(‏1/ 180‏)‏ فإنها تبتدئ قليلا قليلا، ولا يزال يزيد حتى يصل إلى غاية، هي منتهاه، ثم يعود إلى النقصان، فيؤول أمره إلى الغيبة، في مهاد النسيان‏.‏

والحق أن أعظم الأسباب في رواح العلم، وكساده، هو رغبة الملوك في كل عصر، وعدم رغبتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏1/ 181‏)‏

 الفصل الرابع في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع

وذلك أن الحذق في العلم، والتفنن فيه، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه، من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق ذلك الفن المتناول حاصلا‏.‏

وهذه الملكة هي في غير الفهم، والوعي، لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا، بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم يحصل علما، وبين العالم النحرير؛ والملكة إنما هي للعالم، أو الشادي، في الفنون دون من سواهما، فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي‏.‏

والملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن، أو في الدماغ من الفكر وغيره، كالحساب، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم، ولهذا كان السند في التعليم، في كل علم، أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها، معتبرا عند كل أهل أفق، وجيل‏.‏

ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة، لاختلاف الاصطلاحات فيه، فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم، يختص به، شأن الصنائع كلها، فدل على أن ذلك الاصطلاح، ليس من العلم، وإلا لكان واحدا عند جميعهم‏.‏

ألا ترى إلى علم الكلام، كيف تخالف في تعليمه اصطلاح ‏(‏1/ 182‏)‏ المتقدمين، والمتأخرين، وكذا أصول الفقه، وكذا العربية، وكذا كل علم تتوجه إلى مطالعته، تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة، فدل على أنها صناعات في التعليم، والعلم واحد في نفسه‏.‏

وإذا تقرر لك هذا، فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد، قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب، باختلال عمرانه، وتتاقض الدول فيه، وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع، وفقدانها، كما مر‏.‏

وذلك أن القيروان، وقرطبة، كانتا حاضرتي المغرب، والأندلس، واستبحر عمرانهما، وكان فيهما للعلوم، والصنائع، أسواق نافقة، وبحور زاخرة، ورسخ فيهما التعليم، لامتداد عصورهما، وما كان فيهما من الحضارة‏.‏

فلما خربتا، انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا، كان في دولة الموحدين بمراكش، مستفادا منها، ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها، وقرب عهد انقراضها بمبدئها، فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل‏.‏

وبعد انقراض الدولة بمراكش، ارتحل إلى المشرق من إفريقية، القاضي أبو القاسم بن زيتون، لعهد أواسط المائة السابعة، فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب، فأخذ عنهم، ولقن تعليمهم، وحذق في العقليات، والنقليات، ورجع إلى تونس بعلم كثير، وتعليم حسن، وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي‏.‏

كان ارتحل إليه من المغرب، فأخذ عن مشيخة مصر، ورجع إلى تونس، واستقر بها، وكان تعليمه مفيدا، فأخذ عنهما أهل تونس، واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما، جيلا بعد جيل، حتى انتهى إلى القاضي محمد بن عبد السلام، شارح ‏(‏مقدمة ابن الحاجب‏)‏ وتلميذه‏.‏

وانتقل من تونس إلى تلمسان، في ابن الإمام، وتلميذه فإنه قرأ مع ابن عبد السلام، على مشيخة واحدة، وفي مجالس بأعيانها، وتلميذ ابن عبد السلام بتونس، وابن الإمام بتلمسان، لهذا العهد، إلا أنهم من القلة، بحيث يخشى انقطاع ‏(‏1/ 183‏)‏ سندهم‏.‏

ثم ارتحل من زواوة، في آخر المائة السابعة، أبو علي ناصر الدين المشدالي، وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب، وأخذ عنهم ولقن تعليمهم، وقرأ مع شهاب الدين القرافي، في مجالس واحدة‏.‏ وحذق في العقليات، والنقليات، ورجع إلى المغرب بعلم كثير، وتعليم مفيد، ونزل ببجاية، واتصل سند تعليمه في طلبتها، وربما انتقل إلى تلمسان، عمران المشدالي، من تلميذه وأوطنها، وبث طريقته فيها، وتلميذه لهذا العهد ببجاية، وتلمسان قليل، أو أقل من القليل‏.‏

وبقيت فاس، وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم، من لدن انقراض تعليم قرطبة، والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم، فعسر عليهم حصول الملكة، والحذق في العلوم‏.‏

وأيسر طرق هذه الملكة، فتق اللسان بالمحاورة، والمناظرة، في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها، ويحصل مرامها، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم، في ملازمة المجالس العلمية، سكوتا لا ينطقون، ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم‏.‏

ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل، تجد ملكته قاصرة في علمه، إن فاوض، أو ناظر، أو علم‏.‏ وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم، وانقطاع سنده، وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم، لشدة عنايتهم به، وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك‏.‏

ومما يشهد بذلك في المغرب، أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم، ست عشرة سنة، وهي بتونس خمس سنين، وهذه المدة بالمدارس على التعارف هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم، حصول مبتغاه من الملكة العلمية، أو اليأس من تحصيلها، فطال أمدها في المغرب، لهذه المدة الأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم، خاصة لا مما سوى ذلك‏.‏

وأما أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم، وذهبت عنايتهم بالعلوم، لتناقص عمران المسلمين بها، منذ مئين من السنين، ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية، والأدب؛ اقتصروا عليه، وانحفظ سند تعليمه بينهم، فانحفظ بحفظه، وأما الفقه بينهم، فرسم خلي، وأثر بعد عين، وأما العقليات فلا أثر لها، ولا عين، وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها، بتناقص العمران، وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر، شغلهم بمعايشهم، أكثر من شغلهم بما بعدها، والله غالب على أمره‏.‏

وأما المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه، بل أسواقه نافقة، وبحوره زاخرة، لاتصال العمران الموفور، واتصال السند فيه، وإن كانت الأمصار العظيمة، التي كانت معادن العلم، قد خربت، مثل بغداد، والبصرة، والكوفة، إلا أن الله تعالى قد أبدل فيها بأمصار أعظم من تلك، وانتقل العلم منها إلى عراق العجم، بخراسان وما وراء النهر من المشرق، ثم إلى القاهرة، وما إليها من المغرب، فلم تزل موفورة، وعمرانها متصلا، وسند التعليم بها قائما‏.‏

فأهل المشرق على الجملة، أرسخ في صناعة تعليم العلم، بل وفي سائر الصنائع، حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم، أن عقولهم على الجملة أكمل، من عقول أهل الغرب، وأنهم أشد نباهة، وأعظم كيسا، بفطرتهم الأولى، وأن نفوسهم الناطقة أكمل، بفطرتها من نفوس أهل المغرب‏.‏ ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية، ويتشيعون لذلك، ويولعون به، لما يرون من كيسهم في العلوم، والصنائع‏.‏

وليس كذلك وليس بين قطر المشرق، والمغرب، تفاوت بهذا المقدار، الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة، اللهم إلا الأقاليم المنحرفة، مثل الأول، والسابع، فإن الأمزجة فيها منحرفة، والنفوس على نسبتها كما مر‏.‏

وإنما الذي فضل به أهل المشرق، أهل المغرب، هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة، من العقل المزيد، كما في تقدم الصنائع، ونزيده الآن تحقيقا، وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم، في المعاش، والمسكن، والبناء، وأمور الدين، والدنيا، وكذا سائر أعمالهم، وعاداتهم، ومعاملاتهم، وجميع تصرفاتهم، فلهم في ذلك كله آداب، يوقف عندها، في جميع ما يتناولونه، ويتلبسون به، من أخذ، وترك، حتى كأنها حدود لا تتعدى، وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم‏.‏

ولا شك أن كل صناعة مرتبة، يرجع منها إلى النفس أثر، يكسبها عقلا جيدا، تستعد به لقبول صناعة أخرى، ويتهيأ بها العقل، لسرعة الإدراك للمعارف‏.‏

ولقد بلغنا في تعليم الصنائع، عن أهل مصر، غايات لا تدرك، مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية، والحيوانات العجم، من الماشي، والطائر، مفردات من الكلام والأفعال، يستغرب ندورها، ويعجز أهل المغرب عن فهمها‏.‏

وحسن الملكات في التعليم، والصنائع، وسائر الأحوال العادية، يزيد الإنسان ذكاء في عقله، وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس، إذ النفس إنما تنشأ بالإدراكات، وما يرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كيسا، لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية، فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية، وليس كذلك‏.‏

ألا ترى إلى أهل الحضر، مع أهل البدو، كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء، ممتلئا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته، وعقله، وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع، والآداب في العوائد، والأحوال الحضرية، مالا يعرفه البدوي‏.‏

فلما امتلأ الحضري من الصنائع، وملكاتها، وحسن تعليمها، ظن كل من قصر عن تلك الملكات، أنها الكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو قاصرة، بفطرتها، وجبلتها، عن فطرته، وليس كذلك، فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة، من الفهم، والكمال في عقله، وفطرته، إنما الذي ظهر على أهل الحضر، من ذلك هو رونق الصنائع، والتعليم، فإن لها آثارا ترجع إلى النفس‏.‏

وكذا أهل المشرق، لما كانوا في التعليم، والصنائع، أرسخ رتبة، وأعلى قدما، وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة، ظن المغفلون في بادئ الرأي، أنه لكمال في حقيقة الإنسانية، اختصوا به، عن أهل المغرب، وليس ذلك بصحيح، فتفهمه، والله يزيد في الخلق ما يشاء، وهو إله السموات والأرض‏.‏

قف‏:‏ إن العلوم إنما تكثر، حيث يكثر العمران، وتعظم الحضارة، والسبب في ذلك أن تعليم العلم، من جملة الصنائع، وأن الصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة، والقلة، والحضارة، والترف، تكون نسبة الصنائع في الجودة، والكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش‏.‏

فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش، من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، ومن تشوف بفطرته إلى العلم، ممن نشأ في القرى والأمصار، غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم، الذي هو صناعي، لفقدان الصنائع في أهل البدو، ولا بد له من الرحلة في طلبه، إلى الأمصار المستبحرة، شأن الصنائع كلها‏.‏

واعتبر ما قررناه بحال بغداد، وقرطبة، والقيروان، والبصرة، والكوفة، لما كثر عمرانها، صدر الإسلام، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفننوا في اصطلاحات التعليم، وأصناف العلوم، واستنباط المسائل، والفنون، حتى أربوا على المتقدمين، وفاقوا المتأخرين، ولما تناقص عمرانها، وابذعر، سكانها انطوى ذلك البساط، بما عليه جملة، وفقد العلم بها، والتعليم، وانتقل إلى غيرها، من أمصار الإسلام‏.‏

ونحن لهذا العهد، نرى أن العلم والتعليم، إنما هو بالقاهرة، من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر، وحضارته مستحكمة، منذ آلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع، وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم، وأكد ذلك فيها حفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين، في دولة الترك، من أيام صلاح الدين بن أيوب، وهلم جرا‏.‏

وذلك أن أمراء الترك في دولتهم، يخشون عادية سلطانهم، على من يتخلفونه من ذريتهم، لما له عليهم من الرق، أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك، وكباته، فاستكثروا من بناء المدارس، والزوايا، والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة، يجعلون فيها شركا لولدهم، ينظر عليها، أو يصيب منها، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير، والتماس الأجور، في المقاصد، والأفعال‏.‏

فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد؛ وكثر طالب العلم، ومعلمه، بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها الناس في طلب العلم، من العراق، والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها، والله يخلق ما يشاء وهو العليم الحكيم‏.‏